متن سخنرانی در همایش بیروت
الفلسفة السیاسیة فی فکرالامام الخامنئی
۱۷ خرداد ۱۳۹۰ ساعت ۱۱ به وقت لبنان در همایش التجدید و الاحتهاد فی فکرالامام الخامنئی

لقد كان فيثاغورس أوّل من أسمى نفسه بالفيلسوف، وكان قد شبّه الحياة الاجتماعيّة بسِباق يشترك فيه ثلاث طوائف: الأولى: جماعة حضرت لتكون طرفاً في هذا السباق، والثانية: جماعة حضرت لتتاجر بالتذاكر وبطاقات الدخول، والثالثة: جماعة قدمت للتفرّج والمشاهدة. وقد رأى أنّ الفلاسفة كالطائفة الثالثة، يلاحظون الكون من زاوية المشاهد والمتفرّج من الأعلى، ويحكمون ويقضون وفقاً لذلك.
وقد شبّه الإمام الخامنئيّ الحياةَ الإنسانيّة بجملتها بالقافلة التي لها نقطة انطلاق، وغاية عليا؛ حيث تسير الخليقة نحوها بأجمعها. وقد شبّه المجالَ الواقع بين المبدأ والمعاد بمخيّم أو معسكر سائر باتجاه الغاية الإلهيّة: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [سورة الأنبياء: 93]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة النور: 42]. وما من شكّ في أنّ سعادة كلّ إنسان رهينة بأن يعرف هذه الغاية، وأن يَتناغم سلوكه الاختياريّ معها.
إنّ دور الأنبياء والحكماء والفلاسفة هو أن يُنيروا للبشريّة طريق هذه الغاية العليا، وأن يُذكّروه ويُنبّهوه بأنّ جميع ما وقع تحت اختياره من نعمٍ ظاهرة وباطنة ليست إلا وسائل ومعدّات اتيحت له من أجل أن تُعينه في سفره، ومن أجل أن يَشقَّ طريقه نحو الهدف بيسر وسهولة.
ومن هنا، فإنّ بين «الفيلسوف السياسيّ» في رؤية الإمام الخامنئي، و«المشاهد المتفرّج» عند فيثاغورس فرقاً؛ فالفيلسوف في رؤية سماحته: ذلك الإنسان المسؤول الذي يستجمع في شخصيته الخصائص والمِيزات التالية:
أولاً: الفيلسوف ليس متفرّجاً عديم المسؤوليّة؛ بل هو إنسان مسؤول، ملتزم، وصاحب همّ.
ثانياً: الفيلسوف لا يفكّر في فراغ؛ بل إنّ فكره على صلة مباشرة بالحِراك والنبض الاجتماعيّ.
ثالثاً: الفلسفة السياسيّة مبنيّة على أسس فكريّة وعقائديّة.
رابعاً: تبلورت الفلسفة السياسيّة وفق مبادئ الحرّيّة والشَجاعة في الفكر والعمل.
خامساً: الفيلسوف السياسيّ ناقد، ومُنظّر، ومنتِج.
سادساً: الفيلسوف السياسيّ يحمل في جُُُعبته ذاكرة تاريخيّة وثقافيّة.
سابعاً: الفلسفة السياسيّة منظومة منسجمة لا تقبل التناقض.
أمّا التأملات الفلسفية في موضوع السياسة وشؤونها فهي جانب من الموضوعات التي شغلت الفكر البشريّ على مر التاريخ. وإنّ المفکّرين في العالم الإسلاميّ على ثلاث طوائف:
ألاولی: بعضهم تناولوا الفلسفة كفرع معرفيّ فنّيّ، جعلوا منه محوراً لدراساتهم وبحوثهم.
الثانية: بعضهم لم يغضّوا الطرف عن الأبحاث السياسيّة، وأدلوا فيها بدلوهم بنحو أو بآخر.
الثالثة: بعض المفکّّرين لم يكتفوا بمزاولة الفكر في المجال السياسيّ، بل قاموا بتأسيس فلسفة سياسيّة، تلبّي الحاجة الفكريّة والعمليّة للمجتمع الإنسانيّ.
وعندهم،السؤال المرتبط بالسياسة ليس يعني التموضُع في إطار الفلسفة السياسيّة - بما هي فرع معرفيّ وفنّيّ - ، وإنّ الفلسفة السياسيّة ليست مجالاً ومنتدىً مُغلقاً يختصّ به الفلاسفة، ليتناقشوا تحت قبّته في أمر الفلسفة، بل إنّها نِتاجٌ لحوار جارٍ بين المواطنين، مقدّم في قوالب المفاهيم الفكريّة ومصطلحاتها.
فالسؤال الأساسي عندالطائفة الاخیرة ، حول غایة تشکُل حياة الإنسان في المجتمع السياسي و کیفیتها. وتحديد أفضل نماذج الحياة الاجتماعية والمثال الأعلی للأنظمة السياسية. ولعل هذا هو السبب في استمرار السلطة بوصفها قضية هامة من قضايا الفلسفة السياسية. والسؤال الآخر الذي يطرح هنا يتعلق بمؤسسات السلطة وکيفية تطورها في المجتمع المدني.
وهکذا يتحول التفکير في السياسة إلی عملية فلسفية، والفکر الفلسفي عملية فردية لها مفهوم جماعي، لأنها تتحدث عن مفاهيم کلية وکونية. بعبارة أخری إن سؤال عن حياة البشر کلهم سؤال فلسفي له دلالات مختلفة في مختلف المجتمعات السياسية.
إن سؤال السياسة سؤال يخص المجتمع الإنساني بأسره، والفيلسوف هو الذي يبحث عن إجابة أو إجابات لهذا السؤال المشترک، وهو يحاور الآخرين بعقلية منفتحة وتفکير حر. ويحتاج الفيلسوف في سعيه للإجابة عن سؤال السياسة إلی الفکر السياسي والفلسفة السياسية.
وبما أن الفيلسوف نفسه مواطن المجتمع السياسي وابن عصره، فبإمکاننا القول إن الفلسفة السياسية نفسها ابنة العصر والمجتمع السياسي. بعبارةٍ أخری، بقدر ما واکبتِ السياسةِ الإنسان طيلة القرون المتمادية بوصفها آليات لتنظيم المجتمع، بقدر نفسه واکبه السؤال الفلسفي عن السياسة في المجتمعات السياسية
وتختلف الفلسفة السياسية عن العلوم السياسية، فالمقصود بالعلوم السياسية معرفة معطيات العمل السياسي وهذه المعرفة تهتم بآليات اتخاذ القرارات السياسية، دون أن تهتم بجوهر السياسة، في حين أن الفلسفة السياسية تتناول ماهية السياسة ومفهومها وتطور هذا المفهوم. ولعل هذا هو السبب في ابتعاد الفلسفة السياسية عن الروتين السياسي واصطباغها باللون النظري الکلي وموقفها النقدي من السياسة.
لکل مفکر و مدرسة فکرية فلسفته السياسية، فالفلسفة السياسية المسيحية تبحث عن الحکومة المدينة في ماوراء هذا العالم، دون أن يهمها الشأن العام، فهي تتحدث عن القوانين الإلهية، ودور الکنيسة هو بناء جسور بين الإرادة الإلهية وإرادة الناس. في المقابل يبحث الفلسفة السياسية الحديثة في الغرب عن مجتمع دنيوي علمانی ، أما مفهوم السياسة في الفلسفة السياسية للإمام الخامنئی فتستوعبه منظومة تزيل المسافة بين مبدأالإنسانی و مقصدالهی ، إذ لا يضع سلطة الرب أمام سلطة الإنسان. ولا تتعدی غاية العمل السياسي في هذه الفلسفة الحصول علی حياة معنوية ملؤها السعادة، فالعمل الإنساني هنا لا يساوي شياً إذا لم يکن في سبيل الله
فتَنقذُالفلسفة السياسية للامام الخامنيي السياسةَ من متاهة المسافة بين المبدإ والمقصد وتنهي السيادة المطلقة لنظريات الکونية البطلميوسية ونظريات آباء الکنايس في القرون الوسطی و النظريات المادية المبنية علی العقد الاجتماعي.، و حققت هذه الفلسفة السياسية نجاحها الباهر هذا من خلال نقدها للأفکار الکونية اليونانية الرومانية، والأفکار الإلهية المسيحية والنظريات العقلية السياسية للمفکرين الغربيين. ويؤسس الامام الخامنيي عبر استلهامه التعاليم الإسلامية نظرية "الإنسان الإلهي"و"المجتمع الالهی" و"النظام الالهی" إذ لا يحتل الحق الطبيعي مکان الحق الإلهي، بل يتوحد الحقان. وطرحت الفلسفة السياسية للامام السیدالخامنيي من خلال خمسة مجالات هي:
1ـ النظام الفکري الذي يبين مفاهيم التفکير والمنظومة الفکرية وماهيتهما.
2ـ نظام المجتمع الذي يهتم بمقولات خمس هي:"العلاقة بين مجالي الحق الفردي و الحق الاجتماعي العام" و"علاقة الدين بالسياسة" و"القانون" و"العدالة" و"الأمن
3ـ نظام المواطنة الذي هو ضمن الفلسفة السياسية،وبني علی مفاهيم مثل حق المواطنة والکرامة والحرية والمشارکة
4ـ نظام المملکة و هو النظام الذي يتناول السلطة السياسية و دورها في إدارة المجتمع، کما يتناول أصناف الأنظمة السياسية، وينتهي بطرح نموذج الديمقراطية الدينية علی ثوابت مأخوذة من النظام النيابي و نظام ولاية الفقية، وبني هذا النموذج علی اثني عشر مبدأ، هي "سيادة الدين" و"سيادة الفضيلة" "سيادة الغاية" و"سيادة الأکفاء" و"سيادة الواجب" و"العدالة"و" رضی الناس"و"الهداية" و"الحق" و "الإيمان الديني" و "انتخاب الناس" و
5ـ نظام السعادة الذي بني علی خمسة مفاهيم غايية وهي الکمال والسعادة و الحياة الطيبة و الفضيلة و الخير. فالفلسفة السياسية للسیدالقائد مَبنيّة علی الغايات الفاضلة.
وأخيراً
تسعی الفلسفة السياسية للامام القائدالخامنيي المستلهمة من القِيم الإسلامية إلی الإجابة المعنوية عن نوعية الحياة المشترکة، کما تحاول تقديم نموذج للمجتمع المثالي وحياة المواطنة و نظام الحکم و تبيين السعادة الحقيقية. ويَحظی السیدُالقائدُ بموقعِ مرموقٍ في تطور نظرية ولاية الفقيه ضمن الديمقراطية الدينیة. والديمقراطية الدينية في فلسفته السياسية أمر يَنبع من داخل الدين الإسلامي ويعادل مفهوم الولایة ، و ولاية الفقيه من مصادیقها. بما أنّ الماهية الدينية للديمقراطية الدينية تقتضي سيادةُ الدين و قيادةُ دينية، فالديمقراطيةِ الدينيةِ تعادل الديمقراطية الفقهية، خاصة و إنّ القيادةَ الدينيةَ في عصرِ الغيبةِ للفقيه. إذن نحن أمامَ ديمقراطيةِ يحکم فيها الوليُ الفقيه. ومواکبةُ سيادة الشعب في هذه الديمقراطية مع حکم الفقيه نظرية حديثة أسَّسها الإمامَُ الخميني رضوان الله علیه، ثم جاء بها الامامُ الخامنيي حفظه الله تعالی وتَبنّاها
نکتفی بهذه المقدار لنقدم النص الکامل ضمن کتاب المؤتمر انشاء الله